توني... الذي رأى فيّ ما لم أره في نفسي
سلسلة: الذين صنعوني 📚 | الفصل السابع

كنت في بداية عشريناتي.
أول مرة أسافر لأوروبا.
وأول مرة أواجه العالم وحدي.
🌿
وكان توني مشرفي الأكاديمي.
رجل في الستين.
هادئ. محترم. ويحب العرب والمسلمين.
---
## الوصيفة
كنت أخجل أن أجلس أمام أستاذي وحدي.
ليس لأنه كان مخيفاً —
بل لأن ثقتي بنفسي كانت صغيرة جداً وقتها.
كنت أجلس خارج مكتبه...
وأقنع نفسي أن أطرق الباب.
ثم أقنع نفسي مرة أخرى.
ثم أعود.
🌿
فقررت في أول لقاء أكاديمي معه...
أن آخذ صديقتي معي.
وجودها في أول لقاء كان يشجعني.
دخلنا معاً.
فابتسم ورحّب.
وقال بلطف:
*"لا مانع أن تجلبي أي أحد."*
ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
*"البريطانيون القدماء كانوا يشترطون على المرأة حين تزور رجلاً...
أن تأتي معها وصيفتها."*
🌿
ضحكت.
واستحييت.
وأحسست أنه يقصدني. 😄
لكنه لم يقلها ليحرجني.
قالها ليُريحني.
وهذا هو توني.
---
## رجل يرى ما لا تراه أنتِ
علم النفس يسمّي هذا **"المرآة الإيجابية"** —
حين يرى فيك شخص ما إمكانات لا تراها أنتِ في نفسك...
وتعكسها عليك حتى تبدأ ترينها.
🌿
توني كان مرآتي الإيجابية.
كان يلاحظ شرارة الحماس في عيني.
ويُشعلها بدل أن يطفئها.
كان يقول:
*"ممتاز... لكن يمكنك أن تذهبي أبعد."*
فأذهب أبعد.
🌿
لم يكن يعلّمني فقط.
كان يبني فيّ شيئاً كنت أفتقده —
الثقة بأن ما عندي يستحق.
---
## ما تعلمته من رجل لا يهدم
بعض الناس حين يُصحّحون يجرحون.
وبعضهم حين يُصحّحون يبنون.
🌿
توني كان من النوع الثاني.
كان يرى نقاط ضعفك...
لكنه يختار أن يبدأ بنقاط قوتك.
كان يحترم احتياجاتك.
ويتفهم خجلك.
ويعطيك الوقت لتكبر.
🌿
وكان عادلاً.
لم يكن يعطي المديح مجاناً.
كان يعطيك بقدر التزامك وجهدك الحقيقي.
وهذا علّمني أن الثناء الحقيقي...
لا يُقدَّر إلا حين يكون مستحقاً.
🌿
وكان توني يؤمن بشيء عميق —
أن أي برنامج أو منهج لا يأخذ بالاعتبار
احتياج الإنسان وبيئته...
هو برنامج ناقص.
كان يحكي لنا من تجاربه الحقيقية —
كيف أن الصواب الحقيقي يبدأ بفهم الإنسان أمامك.
🌿
وتعلمت منه شيئاً لن أنساه:
أن أفضل المعلمين لا يُغيّرونك —
بل يُريونك من أنت فعلاً.
---
## والمفارقة الجميلة
توني يحب العرب والمسلمين.
كان يحكي لنا عن حواره مع أصدقائه البريطانيين:
*"أفضل شيء عند العرب أن الخمر ممنوع —
لأنك لا ترى الناس سكارى في الليل."*
فيقولون له: *"أثّر فيك العرب."*
فيقول: *"فعلاً أفضل."*
🌿
رجل من بريطانيا...
يرى في ثقافتنا ما نحن أحياناً لا نراه.
وهذا وحده درس آخر تعلمته منه —
أن الجمال في ثقافتنا أحياناً يراه الغريب قبلنا.
---
## من الخجل إلى الباحثة
حين أتذكر تلك البنت الخجولة التي كانت تجلس خارج مكتب أستاذها...
وتقنع نفسها أن تطرق الباب...
أبتسم.
🌿
لأنني أعرف الآن ما لم أكن أعرفه وقتها —
أن شرارة الحماس التي رآها توني في عيني...
كانت موجودة دائماً.
هو فقط علّمني أن أراها أنا أيضاً.
🌿
وحين أنظر خلفي اليوم...
أرى جمال تلك اللحظات.
ما كان صعباً أصبح ذكرى جميلة.
وما كان محرجاً أصبح درساً.
🌿
لم يكن الطريق سهلاً لأكون من أنا.
لكنني أؤمن أن لكل إنسان مزايا وعيوب.
والأجمل أن يحاول.
ولا يلوم نفسه على ما كان.
لأنه لا يوجد أحد كامل.
---
*بعض الناس يدخلون حياتك لفترة قصيرة...*
*لكنهم يتركون أثراً يدوم للأبد.*
*توني كان واحداً من هؤلاء.*
---
## 💬 مساحة للحوار
هل مررت بشخص رأى فيك شيئاً لم تره في نفسك؟
كيف غيّر ذلك مسارك؟
---
## 📚 من سلسلة: الذين صنعوني
**🌿 اقرأ أيضًا**
- الفصل الأول: كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي
- الفصل الرابع: لماذا أحب اسمي إيمان مطر
- الفصل الخامس: ساندرا... كانت أكثرنا حياة
- الفصل السادس: هيلا... رسالة من ابنتك
تعليقات
إرسال تعليق