خلوها تروح... قالها. وذهب.

سلسلة: الذين صنعوني 📚 | الفصل الثامن



خلوها تروح...

قالها. وذهب.


---


أذكره.


أذكر صوته.


أذكر نظرته حين كنت أقف أمامه.


🌿


حين أنهيت الثانوية العامة —


قررت أن أدرس خارج مدينتي.


ذهبت لوالدي.


لا لأطلب.


بل لأشارك.


لأن قراراتي تخرج من قلبي وعقلي معاً.


ومن يحبني سيفهم ذلك.


🌿


والكثيرون حولي لم يكونوا متحمسين.


بعضهم رفض.


وبعضهم تردد.


حتى والدتي كانت محتارة.


🌿


لكن والدي —


نظر إليهم جميعاً.


وقال:


"خلوها تروح.


هي تستحق وأثبتت نفسها."


🌿


ولم يكتفِ بالكلام.


طلب من أخي أن يأخذني.


لأن من يؤمن بك...


لا يكتفي بالتشجيع.


بل يُهيئ لك الطريق.


---


## الطريق الذي كان نكته 😄


وصلت.


رأيت.


وأدركت.


🌿


جامعة الملك سعود كانت كبيرة.


أكبر مما توقعت.


وأنا في تلك اللحظة —


وقفت وحدي في ذلك المكان الواسع...


وسألت نفسي:


*هل أنا جاهزة؟*


🌿


لم أكن جاهزة.


وعرفت ذلك.


ليس لأن الجامعة لم تكن جيدة —


بل لأنني أدركت شيئاً عن نفسي:


لم يكن الوقت وقتي بعد.


🌿


وأدركت أيضاً —


أن تخصص اللغات والترجمة في الرياض


لا يختلف كثيراً عن اللغة الإنجليزية في حائل.


فعدت.


---


العودة بقناعة لا بخسارة


عدت.


لم أشعر بالهزيمة.


لم أشعر بالخجل.


شعرت بالقناعة.


🌿


لأنني أنا من قررت الذهاب.


وأنا من قررت العودة.


وكلا القرارين كانا لي.


🌿


وهذا ما تعلمته —


أننا أحياناً نحتاج أن نذهب.


نذهب ونرى.


نذهب ونشعر.


نذهب ونعود بما لم نكن نعرفه من بعيد.


🌿


والدي لم يخبرني بالإجابة.


أعطاني الفرصة أن أجد الإجابة بنفسي.


وهذا الفرق هو كل شيء.


هذا الفرق بين أب يحمي...


وأب يُطلق.


🌿


وهذا ما يسميه David Kolb "التعلم بالتجربة" —


لا نتعلم حقاً من التفكير وحده.


بل حين نذهب.


ونرى.


ونشعر.


ثم نعود بفهم لم يكن ممكناً من بعيد.


🌿


وهذا ما يؤكده Albert Bandura في نظرية "الكفاءة الذاتية" —


حين يؤمن شخص مهم بقدراتك...


تبدأ أنتِ بالإيمان بها.


وحين تجرب وتعود بقناعة —


تتعمق ثقتك بنفسك.


تتعمق.


وتتعمق.


وتتعمق.


حتى لا يستطيع أحد أن يزعزعها.


---


 والدي... كان سندي بعد الله


أذكر يديه.


أذكر صوته.


أذكر نظرته حين كنت في السادسة من عمري —


حين كان يجلسني مع إخوتي الكبار.


ويقول: تنافسوا في الكتابة.


🌿


لم يكن يرى فيّ طفلة صغيرة.


كان يرى فيّ إنساناً.


إنساناً حقيقياً يستحق أن ينافس.


وأن يفوز.


وأن يخسر.


وأن يتعلم.


🌿


وأذكر الخيل.


أذكر حين كنت في الخامسة —


كان يضعني عليه.


ويشجعني: قودي الخيل!


🌿


أذكر خوفي.


وأذكر ثقته.


لم يكن يخاف عليّ.


كان يؤمن بي.


وفرق كبير بين الاثنين.


🌿


الخوف يمنعك.


والإيمان يُطلقك.


وأبي اختار دائماً أن يُطلقني.


🌿


كان سندي بعد الله.


العمود الذي أستند عليه.


الصوت الذي يقول لي: أنتِ كافية.


حتى حين لا أصدق ذلك.


حتى حين يشك فيّ الجميع.


حتى حين أشك في نفسي.


🌿


وهذا ما يؤكده دانيال سيغل في أبحاثه —


أن تأثير الوالد على شخصية أبنائه...


لا يُقاس ولا يُحسب.


لأنه لا يُزرع بالكلمات فقط.


بل بالحضور.


وبالنظرة.


وبالثقة التي يراها الطفل في عيني من يحبه.


🌿


وأبي زرع فيّ كل هذا.


قبل أن أعرف اسمه.


---


 حكمة لم أدرك عمقها إلا لاحقاً


والدي ربما لم يفكر في كل هذا بوعي.


ربما كانت طبيعته المتوازنة تقوده.


🌿


لكنني كلما تذكرت تصرفاته...


أدركت حنكته أكثر.


وأدركت أن بعض الآباء...


يعيشون بعد مماتهم.


🌿


والباحثة بريني براون تقول:


"الشجاعة تُعلَّم.


ونتعلمها من الذين يراقبوننا ونراقبهم."


🌿


وأبي علّمني الشجاعة —


بكل موقف صغير.


بالكتابة مع الكبار.


وبقيادة الخيل وحدي.


وبالذهاب لجامعة بعيدة والعودة بقناعة.


وبجملة واحدة قالها ذات يوم —


ولم أنسها حتى اليوم.


---


## يا أبي


أذكرك.


أذكر صوتك.


أذكر نظرتك.


أذكر ضحكتك.


تلك الضحكة التي لا تشبه أي ضحكة.


العالية.


الجميلة.


التي كانت تملأ البيت.


🌿


وأذكر حين كنت تعود من العمل.


كنا نشعر بشيء لا نستطيع تسميته.


أمان.


سكينة.


طمأنينة.


لم تكن تحتاج أن تتكلم.


كان يكفي أن تكون هنا.


🌿


وأذكر يديك حين كنت تحملني.


وأذكر صوتك حين كنت تقول لي:


"ربك عادل. ربك يحبك."


🌿


لم تكن تعلم —


أنك بتلك الجملة...


كنت تزرع في قلبي صورة عن الله


لا يستطيع أحد أن يمحوها.


🌿


وحين رأيتك في المنام بعد رحيلك —


كنت شاباً.


وكنت تضحك.


نفس الضحكة.


نفسها تماماً.


🌿


وأدركت أن بعض الناس —


لا يرحلون.


يتحولون.


من حضور نراه...


إلى حضور نشعر به.


🌿


كنت سندي بعد الله.


مصدر انطلاقي.


وكلما قدت سفينتي اليوم —


أتذكرك.


وأبتسم.


🌿


رحمك الله.


وأسكنك فسيح جناته.


ونجحت أن تعيش معنا حتى بعد مماتك. 🤍


---


🌿 قريباً...


سأكتب عن حفلة الوداع.


أعلمت؟


لا أدري.


ربما علمت.


وربما أردت ألا أعلم.


لأن القلب أحياناً...


يعرف ما لا يطيق أن يعرفه. 🤍


---


*"خلوها تروح — هي تستحق وأثبتت نفسها."*

*جملة واحدة من أب —*

*غيّرت مسار حياتي.*


---

💬 مساحة للحوار


هل في حياتك شخص وثق بك حين لم يثق بك أحد؟


وكيف غيّر ذلك نظرتك لنفسك؟


---


📚 من سلسلة: الذين صنعوني


هذه السلسلة ليست سيرة ذاتية...

بل رحلة لاكتشاف الأشخاص الذين تركوا أثراً عميقاً في تكوين شخصيتي.


🌿 اقرأ أيضًا

- الفصل الأول: كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

- الفصل الثاني: حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا

- الفصل الثالث: بذور لا تزال تنبت في داخلي

- الفصل السادس: هيلا... رسالة من ابنتك


---


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف خرجت من القلق بعد فقدان والدي: رحلة تعافي غيرت حياتي

كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا