بذور لا تزال تنبت في داخلي

 🌿 سلسلة: الذين صنعوني 📚 | الفصل الثالث

بعض الناس يتركون فينا شيئًا لا يغادرنا أبدًا... وهذه السلسلة محاولة لرد الجميل لهم 

بعض البذور لا تُرى… لكنها تنبت فينا كلما كبرنا.


بعض البذور لا تُرى… لكنها تنبت فينا كلما كبرنا.

بعض الناس يتركون لنا ذكريات…

ثم تمضي السنوات، وتبقى مجرد صور جميلة في الذاكرة.

لكن هناك أناسًا يتركون شيئًا مختلفًا…

يتركون في داخلنا أثرًا لا يبهت، ينمو بصمت، ويظهر في تفاصيلنا دون أن نشعر.

ثم نفاجأ بعد سنوات أننا نتحدث بكلماتهم، ونختار كما كانوا يختارون، وننظر إلى الحياة بالطريقة التي علمونا إياها… دون أن ندرك متى بدأ ذلك.


كلما كبرت…

اكتشفت أن والدي لم يكن يربينا بالمواعظ الطويلة.

كان يربينا بالحياة نفسها.

لم يكن يجلس ليقول:

"كونوا صادقين."

بل كان يعيش الصدق أمامنا… حتى أصبح هو الطريق الطبيعي الذي أسير عليه دون تفكير.


وأذكر موقفًا صغيرًا لا يكاد يلتفت إليه أحد.

وضعت إحدى البنات في طفولتي مشبكًا صغيرًا في شعري.

وعندما عدت إلى المنزل، بقيت كلمات والدي عن حقوق الآخرين تدور في ذهني.

لم يكن المشبك ثمينًا.

ولم تكن صاحبته ستطالبني به.

لكنني ظللت أبحث عنها حتى وجدتها، وأعدت إليها مشبكها الصغير.

ابتسمت باستغراب وكأنها تقول:

"إنه مجرد مشبك!"

أما أنا…

فكنت أشعر أنني لم أعد إليها شيئًا صغيرًا.

بل أعدت إليها حقًا.


اليوم، وبعد كل هذه السنوات، ما زلت كلما هممت برد أمانة، أو الاعتراف بخطأ، أو إعادة حق مهما بدا صغيرًا…

أبتسم في داخلي وأقول:

ما أجملك يا أبي… ما زال أثرُك ينبت في داخلي.


ومن أجمل ما تركه أيضًا…

أنه كان يتقبل الصراحة.

كنا نستطيع أن نعترف بأخطائنا دون خوف من أن نخسر حبه.

كان يصحح… لكنه لا يكسر.

يوجه… لكنه لا يهين.

ولهذا تعلمت أن الصدق لا يبدأ مع الناس فقط…

بل يبدأ مع الله، ثم مع النفس.


🌿 هناك تربية لا تُقال… بل تُعاش

كان مسؤولًا… لكن المسؤولية عنده لم تكن كلمات.

كانت حضورًا.

يسأل، يطمئن، ويشعر أن وجوده جزء من الأمان.

ولذلك، لم يكن غضبه إذا مرض أحدنا نابعًا من قلق عابر…

بل من إحساس عميق بأن الغياب في لحظات الحاجة مؤلم.


🌿ولعل أجمل ما تركه والدي في داخلي...

أنه لم يعلمني كيف أكون إنسانة ناجحة فقط.

بل علمني كيف أكون إنسانة عادلة.

كان العدل يجذبه كما يجذب الضوءُ العين.

وكان يردد علينا كثيرًا:

"لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى."

ولم تكن تلك كلمات يحفظها...

بل حياة يعيشها.

كان يبتسم للجميع.

يحترم الجميع.

ولا يقيس الناس بأسمائهم، ولا قبائلهم، ولا مناصبهم.

بل بما في قلوبهم.

ربما لهذا السبب...

كبرت وأنا أشعر أن الإنسان يُحترم لإنسانيته أولًا.

وأن الكرامة لا تحتاج إلى تعريف.


🌿 وربما كانت أجمل الدروس... تلك التي لم يقصد أن يعلمني إياها

توفي والده وهو صغير.

ومع ذلك...

لم يجعل ما فقده عذرًا ليقصر فيما يمنحه.

بل اختار أن يعطي ما يعرفه...

وما يستطيع تقديمه.

وهذه من أعظم الدروس التي تعلمتها منه.

لسنا مضطرين أن نملك كل شيء...

حتى نصنع أثرًا جميلًا.

يكفي أن نعطي من قلوبنا ما نستطيع.


🌿 بذور... ما زالت تنمو

حين أنظر إلى حياتي اليوم...

أجد شيئًا من والدي في كل زاوية.

في حبي للطبيعة.

وفي تقديري للصدق.

وفي حرصي على رد الحقوق.

وفي احترامي للناس.

وفي إيماني بأن الكلمة الطيبة قد تغيّر يوم إنسان.

بل حتى في إيماني بقدرة المرأة...

أدرك اليوم أن جزءًا منه بدأ من والدي.

فقد نشأ يتيم الأب، ورأى والدته تحمل مسؤوليات الأسرة بقوة وعزم.

ولذلك...

لم ينظر إلى المرأة يومًا على أنها أقل.

كان يؤمن بقدرتها.

ويثق بها.

ويمنحها المساحة لتتعلم، وتشارك، وتنجح.

وربما...

حين أعود بذاكرتي إلى تلك المكتبة الصغيرة ذات اللون الليلكي التي أهداها لي مع أول جهاز كمبيوتر، وإلى ثقته وهو يطلب مني أن أكتب له بعض الأمور...

أدرك أن تمكينه لي لم يبدأ بكلمات كبيرة.

بل بدأ بثقة صغيرة...

كبرت معي حتى أصبحت جزءًا من شخصيتي.


🌿 أحيانًا نسأل:

ماذا يترك الإنسان بعد رحيله؟

وأعتقد أن والدي ترك الإجابة في حياتنا كلها.

لم يترك ذكريات فقط...

بل ترك بذورًا.

وكلما مرّت السنوات...

اكتشفت أن تلك البذور ما زالت تنبت في داخلي...

وتزهر.

✨ سؤال للقارئ

وأنت...

ما هو أبسط موقف من طفولتك ما زال يوجهك إلى اليوم؟

يسعدني أن أقرأ قصتك في التعليقات.


📚 من سلسلة: الذين صنعوني

هذه السلسلة ليست سيرة ذاتية، بل رحلة لاكتشاف الأشخاص الذين تركوا أثرًا عميقًا في تكوين شخصيتي، وكيف يمكن للحب، والصدق، والأمان، والمواقف الصغيرة أن تصنع إنسانًا مختلفًا.


اقرأ أيضًا:


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف خرجت من القلق بعد فقدان والدي: رحلة تعافي غيرت حياتي

كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا