ساندرا... كانت أكثرنا حياة

سلسلة: الذين صنعوني 📚 | الفصل الخامس

بعض الناس يدخلون المكان فيملؤونه... ساندرا كانت من هؤلاء.

---

كانت في الستين.


وكانت أكثرنا حياة.


🌿


دخلت الكلاس للمرة الأولى...


وقبل أن تتكلم،


وقبل أن تشرح،


ابتسمت.


ابتسامة لا تحتاج إلى ترجمة.


بلباس بسيط وأناقة هادئة...


ووجه يقول بوضوح:


*أنا سعيدة أنكم هنا.*


🌿


لم أكن أعرف وقتها...


أن تلك الابتسامة الأولى كانت تخبرني بكل شيء عن ساندرا.


---


## مظهرها يعكس جوهرها


بعض الناس يرتدون ملابس فاخرة...


ويحملون قلوباً فارغة.


وبعضهم —


كساندرا —


يرتدون البساطة...


ويحملون من الدفء ما يملأ المكان كله.


🌿


كانت أنيقة بكلماتها قبل ملابسها.


ولبقة بنظراتها قبل تعليقاتها.


وكأن كل ما هي عليه في الداخل...


كان يظهر على الخارج بلا جهد.


علم النفس يسمّي هذا **"التطابق الداخلي"** —


حين يكون الإنسان في سلام مع نفسه...


ينعكس ذلك على كل تفصيلة فيه.


دون أن يقصد.


ودون أن يتكلف.


---


## الجميع كانوا أبناءها


لم تكن ساندرا تُدرّس طلاباً.


كانت تحتضن أبناءً.


كانت تعطي كل واحد منا مساحته.


وتترك لكل واحد متنفسه.


وتمنح كل واحد حريته ليعبّر عن نفسه بطريقته.


🌿


وأذكر من اللحظة الأولى...


حين عرفت أنني عربية،


جاءتني بهدوء وقالت:


*"أحط معك زميلتك في المشروع —*


*هي صديقتك وتفهمك،*


*وهذا سيجعل العمل أسهل وأجمل لكما."*


🌿


لم تكن تطبق قاعدة.


كانت تلاحظ.


وتهتم بما لا يلاحظه أحد.


وهذا هو الفرق بين من يُعلّم بالكتاب...


ومن يُعلّم بالقلب.


🌿


وأحياناً أتساءل...


كيف لامرأة من ثقافة مختلفة تماماً...


أن تفهم احتياجاتنا أكثر من بعض من يشاركوننا نفس البيئة؟


علم النفس يسمّي هذا **"التعاطف المعرفي"** —


القدرة على رؤية العالم من منظور الآخر...


لا من منظورنا نحن.


ربما لأن ساندرا لم تكن تبحث عن من يتفق معها.


كانت تبحث عما يناسب كل شخص أمامها.


دون حكم.


ودون توقع.


لأن هدفها لم يكن أن تُقيّم...


بل أن تفهم.


وهذا وحده...


يجعل كل الفرق.


🌿


وكانت تنظر إلينا...


بتلك النظرة التي تقول بلا كلمات:


*أنا أرى فيك شيئاً يستحق أن يُرى.*


🌿


أذكر حين أخذتني جانباً بهدوء...


وأثنت على قدراتي بكلمات اختارتها بعناية.


لم تمدح أمام الجميع.


ولم تنتقد أمام الجميع.


اختارت اللحظة الصحيحة...


لتعطيني ما أحتاجه بالضبط.


وهذا وحده درس لم أتعلمه من كتاب.


---


## طريقة ذكية... وقلب أذكى


كانت ساندرا تعرف سر التحفيز الحقيقي —


دراسةً وتجربةً.


لكن الفرق أنها لم تطبّقه كنظرية...


بل أعطته من قلب وأمانة.


🌿


كانت تترك لنا أن نختار ما يعجبنا.


لأنها تؤمن أن الإنسان حين يختار...


يبني رابطاً حقيقياً مع ما يفعل.


وهذا ما يقوله علم النفس التربوي أيضاً —


حين يشعر الإنسان بالاستقلالية في اختياراته...


تزداد دافعيته الداخلية بشكل لا يُقارن بأي تحفيز خارجي.


🌿


لكن ساندرا لم تكن تحتاج إلى أبحاث لتتذكر هذا.


كانت تعيشه بفطرتها وقلبها.


وكانت تصنع من الكلاس مساحة...


يريد كل واحد أن يبقى فيها.


---


## "ثم ماذا؟"


في آخر السنة...


قال أحد الزملاء بارتياح:


*"أخيراً انتهت السنة... سننتقل للسنة التي بعدها."*


نظرت إليه ساندرا بهدوء.


وقالت:


*"ثم ماذا؟*


*ثم تنتهي ساعاتنا وأيامنا.*


*نريد هذه الساعات الثمينة أن نعيشها.*


*إنها جميلة."*


🌿


صمت الجميع.


امرأة في الستين...


تقول للشباب في العشرين:


*عيشوا اللحظة.*


بينما هم يريدون تجاوزها.


وأنا في تلك اللحظة أدركت شيئاً —


أن الحكمة الحقيقية لا تأتي من كثرة السنوات.


بل من جودة الحضور في كل لحظة.


🌿


وقد كانت ساندرا تعيش كل لحظة بكل قلبها.


حتى في آخر السنة كانت تقول:


*"يا لله... انتهت السنة بسرعة. سأشتاق لكم."*


ليس مجاملة.


بل حقيقة تخرج من إنسانة أحبت ما تفعل...


وأحبت من تعلّم.


---


## ما تعلمته من ساندرا


تعلمت منها أن احتواء الناس...


ليس ضعفاً.


بل هو أقوى أشكال القيادة.


وتعلمت أن نظرة الحب...


تصنع في الإنسان ما لا تصنعه ألف كلمة.


🌿


وتعلمت أن قلة الأدب في التعامل مع الناس...


ليست قوة.


بل هي ضعف يرتدي ثوب السلطة.


أما القوة الحقيقية...


فهي أن تملأ المكان بطاقتك الإيجابية...


دون أن تحتاج إلى إثبات شيء.


🌿


وربما...


لأنني خرجت من بيت الطيبين...


صرت أعرفهم بسرعة حين أراهم.


وأنجذب إليهم بقلبي قبل عقلي.


ساندرا كانت واحدة منهم.


صورة من صور الطيبين الذين أحبهم الله...


وأحبهم الناس.


🌿


ساندرا علّمتني أن أحب الناس.


لا لأنهم كاملون.


بل لأن لكل واحد منهم شيئاً يستحق أن يُرى.


وأن مهمتنا —


كمعلمين، وكبشر —


ليست أن نصحح الناس.


بل أن نمنحهم مساحة يكونون فيها أنفسهم.


🌿


وكانت في الستين...


وكانت أكثرنا حياة.


---


*بعض الناس يدخلون المكان فيملؤونه.*

*ساندرا كانت من هؤلاء.*


---


## 💬 مساحة للحوار


هل في حياتك شخص دخل عليك يوماً...


وملأ المكان بمجرد وجوده؟


---


## 📚 من سلسلة: الذين صنعوني


هذه السلسلة ليست سيرة ذاتية...

بل رحلة لاكتشاف الأشخاص الذين تركوا أثراً عميقاً في تكوين شخصيتي.



🌿 اقرأ أيضًا

- الفصل الأول: كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

- الفصل الثاني: حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا

- الفصل الثالث: بذور لا تزال تنبت في داخلي

- الفصل الرابع: لماذا أحب اسمي إيمان مطر


وقريباً ستقرأون...

حين أرادوا أن يُزيلوني... وظنوا أنهم أزالوني. 🌿


---


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف خرجت من القلق بعد فقدان والدي: رحلة تعافي غيرت حياتي

كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا