هل نرى الناس كما هم... أم كما نحن؟

🌿 سلسلة: أسئلة صنعتني | الفكرة الرابعة

كنت أرى تفسيري أنا... لا وجهها 🌿

---


كانت تجلس أمامي في الكلاس.


وجهها عابس.


طوال الشرح كنت أشعر بنظراتها.


كأنها تتحداني.


كأن الوضع لا يعجبها.


🌿


وكنت أسأل نفسي بصمت:


*لماذا تنظر إليّ هكذا بكل هذه الجرأة؟*


*هل فعلت شيئاً أزعجها؟*


*هل أنا من المشكلة؟*


🌿


لكنني قررت ألا أتجاهل الأمر.


قررت أن أكلمها.


لأرى ماذا تريد.


وماذا في داخلها.


---


## وهنا حدثت المفاجأة الكبرى


تكلمت معها.


فأجابت بهدوء.


وتعاونت بكل أريحية.


ووجهها لم يتغير قيد أنملة.


لكن كل ما بنيته في رأسي عنها...


انهار في ثانية واحدة.


🌿


لم تكن متحدية.


لم تكن غاضبة.


لم يكن الوضع يضايقها.


كانت فقط... هي.


وجهها خُلق هكذا.


لا تقصد العبوس.


ولا تملك التحكم في ملامحها.


---


## لماذا صدمتني هذه اللحظة؟


علم النفس يسمّي ما حدث معي **"الإسقاط التفسيري"** —


حين نرى شيئاً حقيقياً...


لكننا نبني فوقه قصة من خيالنا.


وجهها كان عابساً — هذا حقيقي.


لكن "التحدي" و"الغضب" و"عدم الرضا"...


هذه أضفتها أنا من تجاربي السابقة.


🌿


لأن عقلنا لا يرى الأشياء كما هي فعلاً.


بل يراها من خلال ما مررنا به من قبل.


فإذا سبق أن نظر إليك أحد بتلك الطريقة وكان يعني شيئاً سلبياً...


سيُفسّر عقلك نفس النظرة بنفس المعنى تلقائياً.


حتى لو كانت الحقيقة مختلفة تماماً.


🌿


وليست تجاربنا الشخصية وحدها من تشكّل هذه التفسيرات.


الأفلام والإعلام بنيا في عقولنا ما يسميه علم النفس **"التنميط الثقافي"** —


قاموس بصري غير مرئي يجعلنا نظن تلقائياً أن الوجه العابس يخفي شيئاً سلبياً...


وأن الصمت يعني الغموض.


بينما العابس قد يكون وجهه فقط هكذا خُلق.


والصامت قد يكون أكثر الناس هدوءاً وسلاماً.


لكن القاموس الذي بنته الأفلام في رؤوسنا...


لا يسألنا قبل أن يحكم.


---


## كم مرة عشنا هذه اللحظة؟


كم شخص حكمنا عليه من نظرة؟


ثم بنينا حوله جداراً من الافتراضات...


قبل أن نسمح له حتى بكلمة واحدة؟


🌿


قد يرى شخصان الإنسان نفسه بطريقة مختلفة تماماً.


أحدهما يراه قوياً.


والآخر يراه مخيفاً.


وأحدهما يراه واثقاً.


والآخر يراه متعجرفاً.


ليس لأن الشخص تغيّر.


بل لأن الناظر مختلف.


🌿


الإنسان الذي يبدو متكبراً... قد يكون خجولاً.


والذي يبدو بارداً... قد يكون يقاوم انهياراً لا نراه.


والذي يبدو عابساً... قد يكون وجهه فقط هكذا خُلق.


فالإنسان أعقد وأجمل من أي انطباع أول بكثير.


---


## ما تعلمته من تلك الطالبة


اليوم حين أرى شخصاً يبدو صعباً أو بعيداً...


أتذكر تلك الطالبة.


وأسأل نفسي سؤالاً واحداً قبل أن أحكم:


*هل أرى هذا الشخص كما هو فعلاً...*


*أم أرى التفسير الذي أضفته أنا؟*


🌿


لأن النضج الحقيقي...


ليس أن نعرف الناس أكثر.


بل أن نتوقف عن تفسيرهم بعيون تجاربنا وأفلامنا وقصصنا...


ونسمح لهم أن يُعرّفوا أنفسهم بأنفسهم.


---


*متى آخر مرة حكمت فيها على شخص من نظرة واحدة؟*

*وهل سألت نفسك: هل أرى الإنسان أمامي... أم أرى تفسيري أنا له؟*


---


## 💬 مساحة للحوار


هل سبق أن بنيت قصة كاملة عن شخص من مجرد نظرة...


ثم اكتشفت أن الحقيقة كانت مختلفة تماماً؟


---


## 📚 من سلسلة: أسئلة صنعتني


أسئلة رافقتني سنوات... وما زلت أبحث في إجاباتها.


🌿 اقرأ أيضًا

- ماذا اكتشفت عند ضفاف نهر أوز؟

- كنت أعتقد أن الشغف شعور... ثم جاءت الدكتوراه

- السؤال الذي لم أجرؤ على قوله

- لماذا يخرج شخصان من التجربة نفسها بشخصيتين مختلفتين؟

- كيف اكتشفت أنني لم أفقد الشغف... بل كنت أؤجل نفسي؟




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف خرجت من القلق بعد فقدان والدي: رحلة تعافي غيرت حياتي

كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا