حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا
🌿 سلسلة: الذين صنعوني 📚 | الفصل الثاني
بعض الناس يتركون فينا شيئًا لا يغادرنا أبدًا... وهذه السلسلة محاولة لرد الجميل لهم
ربما لا نتذكر كل تفاصيل طفولتنا... لكننا لا ننسى أبدًا من جعلها مكانًا آمنًا
"لا أتذكر أول لعبة امتلكتها، ولا أول ثوب ارتديته، لكنني أتذكر جيدًا شعورًا واحدًا رافق طفولتي... شعورًا جعل العالم يبدو مكانًا آمنًا، لمجرد أن أبي كان فيه."
🌿 الليلة التي كنت أنتظر فيها صوت خطواته
كان عمري يقارب السابعة.
وكان الربو يزورني في الليل أكثر مما يزورني في النهار.
تبقى والدتي إلى جواري، تحاول أن تخفف عني، وتنتظر اقتراب الفجر حتى توقظ والدي، ظنًا منها أنها تريحه من عناء السهر.
لكنها كانت تعرف ما سيحدث عندما يعلم.
كان يعتب عليها بلطف.
ويقول إن صحتي أهم من نومه.
لم يكن يريد أن ينتظر الصباح.
ولم يكن يرى أن ساعات نومه أغلى من أنفاس طفلته.
أما أنا...
فكنت أنتظر صوت خطواته.
ولا أنتظر الدواء.
بمجرد أن يدخل الغرفة، كنت أشعر أن شيئًا في داخلي بدأ يطمئن.
ثم يحملني بين ذراعيه، وينطلق بي إلى المستشفى.
والعجيب...
أن نوبة الربو كانت تبدأ بالهدوء قبل أن نصل.
كبرت بعد ذلك، واكتشفت أن أول ما كان يداوي أنفاسي، لم يكن جهاز البخار...
بل شعوري العميق أن أبي أصبح هنا.
...
حتى اليوم لا أعرف كيف أشرح ذلك الشعور.
لكنني أتذكره بوضوح.
بمجرد أن يدخل والدي الغرفة، كنت أشعر أن شيئًا داخلي بدأ يهدأ.
وكأن جسدي الصغير كان يقول لي:
"لا تقلقي... لقد جاء أبي."
ثم يحملني بين ذراعيه.
وأشعر أن العالم كله أصبح أخف.
لم يكن قد وصل إلى المستشفى بعد.
ولم أكن قد أخذت العلاج بعد.
ومع ذلك...
كانت أنفاسي تبدأ بالهدوء شيئًا فشيئًا.
لم أكن أفكر في المستشفى، ولا في الدواء. كنت أفكر بشيء واحد فقط... أن أبي أصبح هنا. وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل العالم أقل خوفًا.
ولم أكن أعرف آنذاك أن الرجل الذي حملني في آخر الليل، سيستقبل صباحه كأي يومٍ آخر... وكأن التعب لم يكن يعنيه ما دامت طفلته تحتاج إليه.
كبرت بعد ذلك، وأدركت أن جزءًا كبيرًا مما كنت أشعر به لم يكن بسبب الدواء...
بل بسبب الأمان.
الأمان الذي كان والدي يحمله معه أينما ذهب.
🌿 أول رجل ظننته أقوى من كل شيء
في طفولتنا، لا نقيس القوة بالعضلات.
بل بما يجعلنا نشعر أننا لن نتأذى.
ولهذا...
كنت أعتقد أن والدي هو أقوى رجل في العالم.
ليس لأنه كان يرفع الأشياء الثقيلة.
ولا لأنه كان يصرخ.
بل لأنه عندما يكون موجودًا...
كنت أشعر أن لا شيء سيئ يمكن أن يحدث.
كان يمشي بخطوات واثقة.
يتخذ قراراته بهدوء.
ويتحرك بسرعة إذا احتاج أحد إليه.
وحين يحملني إلى السيارة، كان يمسك بي بكلتا يديه، وكأنني أغلى ما يملك.
ولسنوات طويلة...
كنت أظن أن كل الأطفال يشعرون بما أشعر به.
حتى كبرت...
واكتشفت أن الأمان الذي كنت أعيش فيه لم يكن أمرًا بديهيًا كما كنت أعتقد.
بل كان نعمة عظيمة، رزقني الله بها من خلال أبي.
🌿 رجلٌ كان يطمئن قبل أن يتكلم
كبرت، وأصبحت أتساءل:
لماذا كانت نوبات الربو تهدأ قبل أن أصل إلى المستشفى؟
لماذا كنت أشعر أن أنفاسي تنتظم بمجرد أن يحملني والدي بين ذراعيه؟
ربما لم يكن جسدي ينتظر العلاج فقط...
بل كان ينتظر ذلك الشعور العميق الذي لا يعرفه الطفل باسمه، لكنه يعيشه بكل تفاصيله.
الأمان.
كان وجود والدي وحده يطمئن قلبي.
وكانت الطمأنينة، في كثير من الأحيان، أول دواء يصل إليّ.
لم يكن يقول كلمات كثيرة.
لم يكن يحتاج أن يقول: "لا تخافي."
وجوده كان يقولها نيابةً عنه.
كان يحملني وكأن الوقت كله يجب أن يتوقف حتى أتنفس من جديد.
ولم أشعر يومًا أن مرضي عبء عليه.
بل كنت أشعر أنني أولويته.
ويا له من شعور عظيم لطفلة صغيرة...
أن تؤمن أنها أهم ما يملكه والدها.
🌿 ليالٍ بقي فيها إلى جواري
في المستشفى، كانت والدتي تبقى مع إخوتي في المنزل.
أما والدي...
فكان يبقى معي.
لم يكن يتركني وحدي.
كان يجلس بجانبي ساعات طويلة، يراقب الأجهزة، ويسأل الأطباء، وينظر إليّ بين الحين والآخر ليتأكد أنني بخير.
كنت صغيرة، ولم أكن أدرك حجم التعب الذي يعيشه.
لكنني كنت أدرك شيئًا واحدًا...
أنه موجود.
واليوم، بعد أن كبرت، فهمت أن وجود الإنسان مع من يحب في لحظات ضعفه، هو أحد أنقى أشكال الحب.
الحب ليس دائمًا كلمات.
أحيانًا يكون كرسيًا بجوار سرير مستشفى...
ورجلًا يرفض أن يغادر حتى يطمئن.
🌿 رحمة الله... قد تأتي على هيئة أب
كلما تقدمت في العمر، ازداد يقيني أن الله يرسل إلينا رحمته بطرق كثيرة.
وأحيانًا...
تأتي تلك الرحمة على هيئة أب.
أب يحمل طفلته في آخر الليل.
يركض بها إلى المستشفى.
يغضب إذا علم أنها تألمت ولم يوقظه أحد.
لا لأنه يحب الغضب...
بل لأنه كان يتمنى لو حمل عنها الألم قبل أن تشعر به.
ولعل أجمل ما تركه والدي في داخلي، أنه لم يجعلني أشعر يومًا أنني وحدي في مواجهة الحياة.
كنت أشعر دائمًا أن هناك كتفًا أستطيع أن أستند إليه.
وأن هناك قلبًا يدعو لي حتى قبل أن أطلب.
ولعل هذا ما جعلني، كلما واجهت موقفًا صعبًا في حياتي، أبحث تلقائيًا عن الطمأنينة بدل الخوف.
لأنني تربيت في بيتٍ كان الأمان فيه أسلوب حياة، لا مجرد شعور عابر.
🌿 بعد سنوات... عاد الشعور نفسه
تمضي السنوات، ونكبر، ونظن أننا أصبحنا أقوى.
نغادر بيوت أهلنا، ونسافر، ونتعلم، ونخوض تجارب لم نتخيل يومًا أننا سنخوضها.
كنت في بريطانيا حينها، أعيش واحدة من أكثر مراحل حياتي ثراءً بالتجارب، لكنها لم تكن سهلة دائمًا.
الغربة تعلم الإنسان أشياء كثيرة.
تعلمه الاعتماد على نفسه.
وتكشف له جوانب من شخصيته لم يكن يعرفها.
لكنها أيضًا تضعه أحيانًا أمام لحظات يشعر فيها بأنه بعيد عن كل شيء يعرفه.
وفي إحدى تلك الأيام، وبينما كنت أمر بضغوط متراكمة، داهمتني نوبة قلق لم أختبر مثلها من قبل.
كانت لحظة شعرت فيها أن أنفاسي تضيق، وأن أفكاري تسبق قدرتي على استيعابها.
كنت وحدي.
أحاول أن أهدئ نفسي...
لكنني لم أستطع.
وفي تلك اللحظة تمامًا...
رن هاتفي.
كان أبي.
لا أعرف إلى اليوم لماذا اختار أن يتصل في تلك الدقيقة بالذات.
ولا أعلم إن كان مجرد توافق في التوقيت، أم رحمة ساقها الله إليّ في صورة مكالمة.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا...
ما إن سمعت صوته، حتى بدأ كل شيء يهدأ.
تذكرت فجأة تلك الطفلة ذات السابعة من عمرها.
الطفلة التي كانت تنتظر صوت خطوات أبيها قبل أن يهدأ الربو.
واكتشفت أن الشعور لم يتغير.
كبر العمر...
وتغيرت المدن.
وانتقلت من غرفة صغيرة في بيتنا إلى مدينة تبعد آلاف الكيلومترات.
لكن الأمان...
كان ما يزال يأتي بالصوت نفسه.
في تلك اللحظة، أدركت أن بعض العلاقات لا تقاس بالمسافات.
هناك أشخاص يمنحوننا شعورًا بالأمان، حتى وهم على بُعد آلاف الأميال.
ولعل أجمل ما في الأمر...
أنني لم أكن بحاجة إلى كلمات كثيرة.
كان يكفيني أن أسمع صوته.
فأشعر أنني لست وحدي.
وأدركت أن الإنسان قد يقضي سنوات يبحث عن الطمأنينة في أماكن كثيرة.
بينما كان الله قد رزقه بها منذ طفولته...
في قلب أب.
🌿 الأمان... هو الإرث الذي لا يُرى
كبرت بعد ذلك، وأدركت أن الإنسان قد يرث أشياء كثيرة.
قد يرث اسمًا.
أو ملامح.
أو لون عينين.
لكن هناك إرثًا لا يُكتب في الأوراق، ولا يُقاس بالأرقام.
إرثًا يسكن الروح.
اليوم، كلما مررت بلحظة خوف، أو واجهت قرارًا صعبًا، أجد جزءًا صغيرًا في داخلي يعود إلى تلك الطفلة ذات السابعة من عمرها.
الطفلة التي كانت تنتظر صوت خطوات أبيها في آخر الليل.
لم أعد تلك الطفلة.
ولم تعد نوبات الربو كما كانت.
لكن شيئًا واحدًا بقي كما هو...
ذلك الشعور العميق بأن وجود شخص يحبك بصدق، قادر أن يمنح قلبك طمأنينة لا تستطيع الكلمات وصفها.
ربما لهذا السبب، ظل صوت أبي يسكن داخلي حتى بعد أن كبرت.
ولعل أجمل ما حدث أنني اكتشفت ذلك مرة أخرى وأنا على بُعد آلاف الكيلومترات، في بريطانيا، عندما جاءني اتصاله في اللحظة التي كنت أحتاج فيها إلى الطمأنينة أكثر من أي شيء آخر.
حينها فهمت...
أن بعض الأشخاص لا يحموننا بأيديهم فقط.
بل يحمون شيئًا أعمق...
يحمون قلوبنا.
واليوم، كلما رأيت أبًا يحتضن طفلته، أدعو في سري أن يعرف قيمة تلك اللحظة.
فقد يظن أنه يحملها بين ذراعيه لدقائق...
بينما هو في الحقيقة، يبني داخلها شعورًا سيبقى معها عمرًا كاملًا.
لقد علمني والدي أشياء كثيرة.
لكن أعظم ما علمنيه...
أن الأمان ليس مكانًا نعيش فيه.
بل إنسانًا نشعر معه أننا بخير.
رحمك الله يا أبي...
فقد كنت أول مكان تعلمت فيه معنى الأمان.
بعض الأشخاص لا يصنعون لحظاتنا فقط... بل يصنعوننا نحن.
✍️ إذا منحك أحدهم شعورًا بالأمان يومًا... فلا تتردد أن تخبره بذلك، فبعض النعم لا ندرك عظمتها إلا بعد غيابها.
✨ سؤال للقارئ
وأنت...
من هو أول شخص منحك شعور الأمان في حياتك؟
يسعدني أن أقرأ قصتك في التعليقات.
📚 من سلسلة: الذين صنعوني
هذه السلسلة ليست سيرة ذاتية، بل رحلة لاكتشاف الأشخاص الذين تركوا أثرًا عميقًا في تكوين شخصيتي، وكيف يمكن للحب، والصدق، والأمان، والمواقف الصغيرة أن تصنع إنسانًا مختلفًا.
اقرأ أيضًا:
- الفصل الأول: كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي.
- الفصل الثالث (قريبًا): الرجل الذي رأى الجمال في كل شيء.
الأب بوتقة إحتراق الموتور التي تحتىرق فيها مكونات الوقود لكي يدفع السياره للأمام لكي تصل بنا إلى وجهتنا ثم يعود فيحترق ليدفع السياره للعودة بنا نحو الراحه إنه أبي لايكاد يهدأ حتى يحترق وماعلينا نحن إلا أن نستمتع ..فهل أحسسنا باحتراقه..
ردحذفأسعدني أن المقال ألهمك لهذه الكلمات، شكرًا لك 🌿
حذفإبدااااع
ردحذفشكرا 🌿
حذف