عندما اخترت ما أريده... لا ما يريده الآخرون
🌿 سلسلة: القرارات التي صنعت حياتي | الفصل الثاني
أحيانًا لا تغيّرنا القرارات نفسها... بل اللحظة التي نقرر فيها أن نقود حياتنا بأنفسنا.
ليس مهمًا أن يكون ما اخترناه هو القرار المثالي...
المهم أننا تجرأنا أن نختار لأنفسنا.
عندما كنت على وشك التخرج من الثانوية العامة، وقفت أمام واحد من أهم القرارات في حياتي.
كنت أملك معدلًا يؤهلني لدخول تخصصات يحلم بها كثيرون.
وكان الطريق الذي يراه الآخرون واضحًا.
أما أنا، فكنت أرى شيئًا مختلفًا.
في تلك المرحلة بدأت أشعر أن شخصيتي تتشكل بصورة أوضح.
وكأنني أتعرف على نفسي للمرة الأولى.
بدأت أتحرر من كثير من مخاوف الطفولة وضعفها.
وأصبحت أرى نقاط قوتي ومواهبي بصورة مختلفة.
كنت أحب التعلم.
وأحب اللغات.
وأحب اكتشاف العالم.
حتى اللغة الإنجليزية التي بدأت كهواية تحولت مع الوقت إلى جزء من عالمي.
كنت أستمتع بتعلمها، والحديث بها، واكتشاف ثقافات مختلفة من خلالها.
وعندما جاء وقت اختيار التخصص، وجد كثيرون أن هناك خيارات أخرى أكثر منطقية بالنسبة لي.
بل إن بعضهم استغرب قراري.
ولا أنسى مكالمة أخي حين سألني:
"ماذا حدث لك؟ لماذا اخترت هذا التخصص؟"
فأجبته ببساطة:
"لأنني لا أرى تخصصًا أفضل منه بالنسبة لي."
ثم ابتسم.
ولا أعلم لماذا بقيت تلك اللحظة في ذاكرتي حتى اليوم.
ربما لأنني شعرت لأول مرة أنني لا أحتاج إلى تبرير اختياري.
كنت مقتنعة به.
وكان ذلك كافيًا.
ومرت السنوات.
ودرست ما أحب.
وخلال سنتي الأولى في الجامعة سنحت لي فرصة التدريب في صحيفة Saudi Gazette.
وما زلت أتذكر سعادتي وأنا أكتشف عالم العمل للمرة الأولى.
لم أكن أفكر وقتها بالمنصب أو المستقبل البعيد.
كنت فقط أستمتع بالتجربة.
أتعلم.
وأختبر قدراتي.
وأكتشف المزيد عن نفسي.
وكان ذلك ممتعًا بالنسبة لي أكثر مما كنت أتخيل.
ومع مرور السنوات، اكتشفت أن أجمل ما في تلك التجربة لم يكن التخصص نفسه.
ولم يكن المعدل.
ولم تكن آراء الناس.
كان الشعور بأنني أمسك مقود حياتي بيدي للمرة الأولى.
ليس مهمًا أن يكون القرار الذي اخترناه هو القرار الصحيح تمامًا.
فلا أحد يملك تلك الإجابة مسبقًا.
لكن المهم أن نتجرأ على الاختيار.
أن نقود سفينتنا بأنفسنا.
وأن نتحمل مسؤولية الطريق الذي اخترناه.
كان شعورًا بسيطًا في ظاهره.
لكنه كان يعني لي الكثير.
وربما لهذا السبب ما زلت أتذكره حتى اليوم.
ومع الوقت تعلمت درسًا آخر.
في كل مرة اخترت ما يناسبني حقًا، شعرت بالسلام.
وفي كل مرة ابتعدت عن نفسي لأرضي توقعات الآخرين، دفعت الثمن بطريقة أو بأخرى.
ولذلك أقول دائمًا لطالباتي:
لا تبحثن عن التخصص الأفضل.
ابحثن عن التخصص الأنسب.
فالإبداع لا يولد من المكان الذي يصفق له الجميع.
بل من المكان الذي نشعر فيه أننا ننتمي.
اليوم عندما أنظر إلى الخلف لا أتذكر المعدل.
ولا أتذكر المنافسة.
ولا أتذكر آراء الناس.
أتذكر فقط ذلك السؤال البسيط الذي غيّر حياتي:
ماذا أريد أنا؟
لأن الإجابة عنه لم تمنحني تخصصًا فقط...
بل منحتني نفسي.
✨ من سلسلة: القرارات التي صنعت حياتي
وربما في المقال القادم سأحكي عن قرار آخر لا يقل تأثيرًا في حياتي...
قرار الدراسة في الخارج، وكيف وسّع عالمي أكثر مما كنت أتخيل.
للاطلاع على بقية المقالات:
تعليقات
إرسال تعليق