لماذا يخرج شخصان من التجربة نفسها بشخصيتين مختلفتين؟

 🌿 سلسلة: أسئلة صنعتني | الفكرة الثانية


كل إنسان يحمل قصة لا نراها... وربما لهذا السبب أصبح الإنسان أكثر ما يثير فضولي.

منذ طفولتي كان هناك شيء يثير فضولي أكثر من أي شيء آخر.

الإنسان.

كنت أراقب الناس كثيرًا.

وأتساءل كثيرًا.

لماذا نفكر بطرق مختلفة؟

ولماذا نشعر بأشياء مختلفة؟

ولماذا يمكن للتجربة نفسها أن تترك أثرًا مختلفًا تمامًا في شخصين؟

ربما بدأ هذا الفضول مبكرًا جدًا.

فحتى عندما كنت صغيرة، كنت أتعجب من اختلاف البشر.

وأتساءل لماذا يتعلم بعض الناس بسرعة، بينما يحتاج آخرون إلى وقت أطول.

ولماذا يبدو بعض الأشخاص أكثر ثقة، بينما يتردد آخرون كثيرًا.

وكنت أظن أحيانًا أن بعض الناس أقل حظًا من غيرهم.

لكنني لم أكن أعرف حينها أن الحقيقة أعمق بكثير مما كنت أتصور.

كبرت...

وكبرت معي الأسئلة.

وكلما قرأت أكثر، وتعلمت أكثر، وخضت تجارب أكثر...

وجدت نفسي أعود دائمًا إلى الإنسان.

كنت أقرأ عن التعليم فأصل إلى الإنسان.

وأقرأ عن الأطفال فأصل إلى الإنسان.

وأقرأ عن الصدمات فأصل إلى الإنسان.

وأقرأ عن النجاح فأصل إلى الإنسان.

وكأن كل الطرق كانت تقودني إلى الوجهة نفسها.

ما الذي اكتشفته مع الوقت؟

مع مرور السنوات بدأت أرى شيئًا لم أكن أراه وأنا صغيرة.

لم يعد الاختلاف يبدو لي ظلمًا أو نقصًا.

بل أصبح يبدو لي جزءًا من الحكمة التي خلق الله بها البشر.

فلو تشابه الناس تمامًا...

لما احتاج بعضهم إلى بعض.

ولما ظهرت هذه المواهب والقدرات المتنوعة التي تجعل الحياة أكثر ثراءً.

بدأت أفهم أن الإنسان لا يُختصر في نقطة قوة واحدة.

ولا في نقطة ضعف واحدة.

وأن ما يبدو نقصًا في جانب ما، قد يخفي موهبة استثنائية في جانب آخر.

وأن لكل إنسان كنزه الخاص الذي لا يشبه أحدًا غيره.

وربما لهذا السبب أصبح الإنسان بالنسبة لي أحد أعظم آيات الخالق.

فكل شخص يحمل قصة مختلفة.

وقدرات مختلفة.

وأحلامًا مختلفة.

وتركيبة فريدة لا تتكرر.

لماذا تختلف ردود أفعالنا رغم مرورنا بالتجربة نفسها؟

لأن التجربة وحدها لا تصنعنا.

هناك أشياء كثيرة تدخل بين الحدث وبين رد فعلنا.

ذكرياتنا.

وشخصياتنا.

والكلمات التي سمعناها في طفولتنا.

والتجارب التي مررنا بها سابقًا.

والقصص التي نرويها لأنفسنا عن العالم وعن أنفسنا.

ولهذا قد يمر شخصان بالحدث نفسه.

فيخرج أحدهما أكثر قوة.

ويخرج الآخر أكثر خوفًا.

ليس لأن أحدهما أفضل من الآخر.

بل لأن كل إنسان يرى العالم من نافذته الخاصة.

ما نراه ليس دائمًا الحقيقة كاملة

وأحيانًا لا نخطئ فقط في فهم أنفسنا، بل في فهم الآخرين أيضًا.

فكم مرة وصفنا شخصًا بالكسل، ثم اكتشفنا لاحقًا أنه كان يرى طريقًا أسرع أو أبسط للوصول إلى النتيجة نفسها؟

وكم مرة ظننا أن شخصًا يفتقر إلى القدرة، بينما كانت موهبته تظهر في مكان مختلف تمامًا؟

مع الوقت بدأت أدرك أن الناس أكبر من الأحكام السريعة.

وأن ما نراه في الآخرين ليس دائمًا حقيقتهم الكاملة.

بل أحيانًا نرى جزءًا صغيرًا منهم فقط.

أو ربما نرى انعكاس أفكارنا وتجاربنا نحن أكثر مما نرى حقيقتهم.

وربما لهذا السبب أصبحت أقل حكمًا على الناس.

وأكثر فضولًا لفهمهم.

كيف غيّر هذا الفهم طريقتي في التعامل مع الناس؟

مع الوقت لم يعد فضولي تجاه اختلاف الناس مجرد تساؤل فكري.

بدأ يظهر في عملي وعلاقاتي اليومية.

أصبحت ألاحظ أن الشخص الذي يبدع في مهمة معينة قد لا يستمتع بمهمة أخرى.

وأن ما يرهق شخصًا قد يمنح شخصًا آخر طاقة وحماسًا.

ولهذا كنت أحاول دائمًا أن أبحث عن المكان الذي يلمع فيه كل إنسان.

وعندما أرى شخصًا يعمل بسعادة ويبدع فيما يحب، أشعر بنوع خاص من الرضا.

وكأن نجاحي لا يقتصر على إنجاز العمل نفسه.

بل يمتد إلى مساعدة الآخرين على اكتشاف ما يجيدونه.

فكلما فهمت الناس أكثر...

أصبحت أقل حكمًا عليهم.

وأكثر تقديرًا لاختلافهم.

الإنسان كنز لا نراه من النظرة الأولى

هناك أشخاص قد نمر بهم سريعًا فنظن أننا عرفناهم.

لكن الحقيقة أن كل إنسان يحمل قصة لا نراها.

وراء كل رد فعل سبب.

وراء كل خوف تجربة.

وراء كل تصرف حكاية طويلة لا يعرفها أحد.

ولهذا أصبحت أؤمن أن فهم الإنسان أهم من الحكم عليه.

وأن الفضول لفهم البشر أجمل بكثير من التسرع في تفسيرهم.

الخاتمة

اليوم ما زلت أتعلم.

وما زال الإنسان أكثر ما يثير فضولي.

لأنني كلما ظننت أنني فهمت البشر أكثر...

اكتشفت كم ما زال هناك لأتعلمه.

وربما كانت إحدى أجمل الدروس التي تعلمتها هي أن الاختلاف ليس مشكلة تحتاج إلى حل.

بل حقيقة جميلة تجعل لكل إنسان بصمته الخاصة.

فبعض الكنوز لا تكون في تشابهنا...

بل في اختلافنا.


من سلسلة: أسئلة صنعتني

قد يهمك أيضًا

• السؤال الذي لم أجرؤ على قوله

• كيف خرجت من القلق بعد رحيل والدي؟

• لماذا اخترت أن أفكر بنفسي؟


في المقال القادم

كيف اكتشفت أن الشغف لم يختفِ من حياتي كما كنت أظن؟


مساحة للحوار

هل سبق أن غيّرت رأيك تمامًا عن شخص بعد أن عرفت قصته؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف خرجت من القلق بعد فقدان والدي: رحلة تعافي غيرت حياتي

كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا