السؤال الذي لم أجرؤ على قوله
🌿 سلسلة: أسئلة صنعتني | الفكرة الأولى
كيف هزّ سؤال عن العدالة شعوري بالأمان وأنا في التاسعة من عمري؟
بعض الأسئلة لا تبدأ في الكتب.
ولا في قاعات الدراسة.
بل تبدأ بصمت داخل قلب طفل يحاول فهم العالم.
وربما لهذا السبب بقي هذا السؤال يرافقني سنوات طويلة.
لم يكن أكبر سؤال سمعته في حياتي.
لكنه كان أول سؤال جعلني أشعر أن هناك شيئًا لا أفهمه رغم أنني أريد فهمه بكل قلبي.
وأعتقد أن قصته بدأت عندما كنت في التاسعة من عمري.
كنت طفلة تحب المدرسة.
وأحب أن أشرح للآخرين ما أفهمه.
وفي أحد الأيام كنت أحاول مساعدة ابنة عمي في الرياضيات.
شرحت مرة.
ثم مرتين.
ثم مرات كثيرة.
لكنها لم تفهم.
وكلما حاولت أكثر، ازداد استغرابي.
لم أكن أفهم لماذا أستطيع أنا فهم الأمر بسهولة بينما تعجز هي عن فهمه رغم محاولاتها.
كان الأمر يزعجني أكثر مما ينبغي لطفلة في ذلك العمر.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن عن الرياضيات.
كان عن العدالة.
السؤال الذي أخفيته داخل قلبي
منذ طفولتي تعلمت من والدي أن الله عادل ورحيم.
وكان هذا يمنحني شعورًا عميقًا بالأمان.
كنت أشعر أن العالم مفهوم وواضح.
لكن عقلي الصغير بدأ يطرح سؤالًا لم أعرف كيف أعبر عنه.
إذا كان الله عادلًا...
فلماذا يولد الناس بقدرات مختلفة؟
ولماذا يفهم بعضهم الأشياء بسهولة بينما يحتاج آخرون إلى جهد أكبر؟
ولماذا تبدو بعض الطرق أسهل لأشخاص وأصعب لآخرين؟
لم يكن السؤال فضولًا عابرًا.
بل تحول إلى صراع داخلي حقيقي.
أتذكر أنني كنت أشعر بالضيق كلما فكرت فيه.
ولم يكن سبب ضيقي أنني لم أفهم الاختلاف فقط.
بل لأنني كنت أخاف مما يعنيه ذلك.
ففي عقلي الطفولي كانت العدالة مرتبطة بالأمان.
وكنت أفكر:
إذا لم أفهم العدالة...
فكيف أشعر بالأمان؟
وإذا كان العالم ليس كما أتصور...
فكيف أثق بما أعرفه؟
كلما فكرت في ذلك السؤال، شعرت بشيء لم أكن أعرف كيف أسميه في ذلك العمر.
اليوم أستطيع أن أقول إنه كان خوفًا.
خوفًا من أن أفقد شعوري بالأمان.
كنت أحب والدي وأثق بما تعلمته منه عن رحمة الله وعدله.
ولهذا عندما عجزت عن فهم ما أراه حولي، شعرت وكأن الأرض التي أقف عليها لم تعد ثابتة كما كانت.
أتذكر أنني أصبحت أكثر حزنًا وانشغالًا.
وقلت شهيتي للطعام في تلك الفترة.
كما تراجع مستواي الدراسي في ذلك الفصل رغم حبي للمدرسة.
ولم يكن السبب أنني فقدت اهتمامي بالدراسة.
بل لأن عقلي وقلبي كانا منشغلين بسؤال أكبر من عمري.
سؤال لم أجد له جوابًا يطمئنني في ذلك الوقت.
لم أكن أعرف حينها أن سؤالًا واحدًا يمكن أن يهز شعور طفل بالأمان...
ثم يقوده لاحقًا إلى رحلة طويلة من البحث والفهم.
ورغم أنني كنت طفلة، فإن هذا السؤال بقي معي أشهرًا طويلة.
أفكر فيه بصمت.
وأعود إليه كلما حاولت تجاهله.
وأشعر بالحيرة كلما عجزت عن إيجاد جواب يطمئن قلبي.
لكنني لم أكن أجرؤ على طرحه.
كنت أخشى أن يظن الآخرون أنني قليلة الإيمان.
أو أنني أقول شيئًا لا ينبغي قوله.
فاحتفظت بالسؤال داخلي.
وبدأت أحتفظ معه بأسئلة أخرى كثيرة.
عندما أصبحت كثرة التفكير عبئًا
في تلك الفترة بدأت ألوم نفسي.
كنت أتمنى أحيانًا لو أنني لا أفكر كثيرًا.
لو أنني أستطيع قبول الأمور ببساطة دون أن أبحث عن تفسير لكل شيء.
كنت أرى من حولي يعيشون حياتهم بشكل طبيعي.
أما أنا فكنت أشعر أنني أحمل سؤالًا أكبر من قدرتي على فهمه.
ومع مرور الوقت بدأت أهرب من بعض الأسئلة.
ليس لأنني فقدت الاهتمام بها.
بل لأنني لم أجد لها جوابًا يشبع قلبي.
ما الذي تعلمته عندما كبرت؟
مرت السنوات.
وخضت تجارب كثيرة.
ورأيت قصصًا لم أكن أعرف بوجودها وأنا طفلة.
ورأيت كيف يواجه كل إنسان حياته بطريقة مختلفة.
وكيف يحمل كل شخص تحديات لا نراها.
وكيف أن ما يبدو لنا نقصًا في جانب ما، قد يخفي قوة في جانب آخر.
وشيئًا فشيئًا بدأت أفهم أن العدالة لا تعني التشابه.
وأن الاختلاف ليس ظلمًا.
وأن لكل إنسان طريقه الخاص، واختباره الخاص، وقدراته الخاصة.
وبدأت أرى رحمة الله في أماكن لم أكن أراها من قبل.
واكتشفت أن كثيرًا من الأمور التي حيّرتني في طفولتي لم تكن تحتاج إلى إجابة سريعة...
بل كانت تحتاج إلى نضج وتجارب وزمن.
هدية لم أتوقعها
اليوم عندما أتذكر تلك الطفلة الصغيرة، لا أشعر بالانزعاج من أسئلتها كما كنت أفعل سابقًا.
بل أشعر بالامتنان لها.
لأن السؤال الذي أخافها يومًا، كان بداية رحلة طويلة شكّلت جزءًا كبيرًا من شخصيتي لاحقًا.
فالفضول الذي أتعبني أحيانًا، هو نفسه الذي فتح أمامي أبواب المعرفة.
والأسئلة التي أخافتني يومًا، هي نفسها التي قادتني إلى فهم أعمق للحياة والإيمان والإنسان.
الخاتمة
ما زلت أؤمن أنني أجهل أكثر مما أعلم.
وما زالت لدي أسئلة كثيرة لا أملك لها إجابات كاملة.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين اليوم والأمس.
في الماضي كنت أخاف من الأسئلة.
أما اليوم فأصبحت أراها أبوابًا للفهم.
وأدركت أن الأسئلة الصادقة لا تُبعدنا عن الحقيقة دائمًا...
بل قد تقودنا إليها بطريقة أعمق مما نتوقع.
وربما لهذا السبب أحب التعلم حتى الآن.
لأنني أدركت أن الإنسان لا ينمو عندما يجد كل الإجابات...
بل عندما يملك الشجاعة ليطرح الأسئلة الصادقة.
بعض الأسئلة لا تبحث عن إجابة فقط...
بل تبحث عن الإنسان الذي سنصبحه أثناء البحث.
وكنت أظن أن كثرة التفكير مشكلة يجب أن أتخلص منها...
ثم اكتشفت لاحقًا أنها كانت الباب الذي قادني إلى الفهم.
قد يهمك أيضًا
إذا أعجبتك هذه الرحلة مع الأسئلة والبحث عن المعنى، فقد يعجبك أيضًا:
• كيف خرجت من القلق بعد رحيل والدي؟
• لم أكن أبحث عن موهبتي... كنت أبحث عن مخرج
مساحة للحوار
هل تتذكر سؤالًا حيّرك في طفولتك وبقي معك سنوات طويلة؟
ربما لم يكن مجرد سؤال عابر...
وربما كان بداية طريق لم تنتبه له إلا بعد سنوات.
تعليقات
إرسال تعليق