لم أكن أبحث عن موهبتي... كنت أبحث عن مخرج

 

أحيانًا لا نبحث عن الطريق إلى موهبتنا...

بل نبحث فقط عن مخرج من سؤال يؤرقنا.

لم أكن أبحث عن موهبتي... كنت أبحث عن مخرج

أحيانًا نظن أن اكتشاف الموهبة يحتاج إلى خريطة واضحة، أو لحظة استثنائية ندرك فيها فجأة ما يميزنا عن الآخرين.

لكن الحياة لا تعمل دائمًا بهذه الطريقة.

أحيانًا تقودنا إلى أنفسنا من باب لم نكن ننوي دخوله أصلًا.

وأحيانًا لا نبحث عن موهبتنا...

بل نبحث فقط عن مخرج من سؤال يؤرقنا، أو تفسير لموقف حيّرنا، أو إجابة تجعل الطريق أقل ضبابية.

هكذا بدأت رحلتي.

لم أكن أبحث عن موهبة.

كنت أبحث عن فهم.

بذور لم أنتبه إليها إلا متأخرًا

عندما أنظر إلى الوراء، أجد أن البدايات كانت موجودة منذ الطفولة.

كنت أعشق القراءة.

لم أكن أعرف شيئًا عن فوائدها أو تأثيرها على العقل والشخصية، ولم أكن أقرأ لأحقق إنجازًا أو لأحصل على درجات أفضل.

كنت أقرأ لأنني أحب القراءة نفسها.

كنت أستمتع بالحروف والكلمات، وأحب نطقها بصوت مرتفع، وكأنني أتغنى بها.

وكان يراودني شعور غريب بأن للكلمات موسيقى خاصة لا يسمعها الجميع بالطريقة نفسها.

ومع مرور السنوات بدأت ألاحظ أن القراءة توسع أفكاري، وتفتح أمامي أسئلة جديدة، وتجعل طريقة تفكيري أكثر نضجًا من عمري في كثير من المواقف.

لكنني لم أكن أعلم أن تلك الصفحات التي أقلبها بشغف كانت تبني شيئًا داخلي بصمت.

عندما دفعتني الحياة إلى البحث

كبرت، وكبرت معي الأسئلة.

ووجدت نفسي أمام تجارب ومواقف دفعتني للبحث عن إجابات لم أجدها بسهولة.

فبدأت أقرأ أكثر.

وأبحث أكثر.

وأتعلم أكثر.

قادني ذلك إلى عالم الأطفال، ثم إلى التعليم، ثم إلى علم النفس، ثم إلى الصدمات النفسية، ثم إلى تطوير الذات.

وكلما وجدت إجابة لسؤال، ظهر سؤال آخر.

وكلما ظننت أنني وصلت إلى نهاية الطريق، اكتشفت أن هناك طريقًا جديدًا ينتظرني.

ما الذي كنت أبحث عنه حقًا؟

في البداية كنت أعتقد أنني أبحث عن حلول.

لكن مع الوقت اكتشفت أنني كنت أتعلم شيئًا أعمق من ذلك.

كنت أكتشف نفسي.

اكتشفت أنني أحب البحث والتحليل وربط الأفكار ببعضها.

وأدركت أن فهم الإنسان يثير اهتمامي أكثر مما كنت أتخيل.

كما اكتشفت أن الكتابة ليست مجرد هواية بالنسبة لي.

بل مساحة أرتب فيها أفكاري وأسئلتي وتجربتي مع الحياة.

ربما لم تكن المشكلة عائقًا

لفترة طويلة كنت أنظر إلى بعض التحديات وكأنها عقبات تعطلني.

لكنني اليوم أنظر إليها بطريقة مختلفة.

أدركت أن بعض المشكلات لا تأتي لتغلق الأبواب.

بل لتفتح أبوابًا لم نكن نعلم بوجودها.

وربما لو لم أمر ببعض التجارب، لما عرفت حجم اهتمامي بالتعلم والبحث والكتابة.

ولما اكتشفت أن الفضول الذي رافقني منذ الطفولة كان يحاول أن يرشدني إلى طريقي الخاص.

السعادة أولًا... ثم يأتي النجاح

هناك فكرة كنت أؤمن بها طويلًا:

أن النجاح يجلب السعادة.

لكن الحياة علمتني شيئًا مختلفًا.

السعادة هي التي تقود إلى النجاح.

عندما نفعل ما نحبه، وننشغل بما يثير فضولنا، ونستمتع بما نتعلمه ونقدمه، نصبح أكثر قدرة على الاستمرار والعطاء.

أما الركض خلف النجاح وحده، فقد يمنحنا إنجازًا، لكنه لا يمنحنا دائمًا ذلك الشعور العميق بالرضا.

ولهذا أصبحت أؤمن أن علينا أن نصغي لما نحبه.

أن نتبع فضولنا.

أن نعطي أنفسنا فرصة لاكتشاف الأشياء التي تجعل الوقت يمر دون أن نشعر.

ربما لا تحتاج إلى البحث عن شغفك

بعد كل ما مررت به، لم أعد أعتقد أن الشغف شيء نخرج للبحث عنه في مكان بعيد.

أعتقد أن الشغف يترك لنا إشارات صغيرة منذ سنوات طويلة.

في الأشياء التي نستمتع بها.

في المواضيع التي نعود إليها باستمرار.

في الأسئلة التي لا نتعب من البحث عن إجاباتها.

وربما لا تحتاج إلى البحث عن شغفك...

بل إلى ملاحظة ما كنت تحبه طوال الوقت.

الخاتمة

اليوم، عندما أنظر إلى الوراء، أبتسم.

كنت أظن أنني أبحث عن موهبتي.

لكن الحقيقة أنني كنت أبحث عن إجابات.

وفي أثناء البحث، وجدت نفسي.

وجدت شغفي.

ووجدت أشياء أجمل بكثير مما كنت أتوقع.

ولهذا لم تعد نصيحتي للآخرين:

ابحثوا عن مواهبكم.

بل أصبحت:

اتبعوا ما تحبون.

اقرؤوا.

تعلّموا.

واسألوا كثيرًا.

فقد تكون البذرة التي تزرعونها اليوم بدافع الفضول، هي الشجرة التي تستظلون بها يومًا ما.

وأحيانًا... لا يكون الطريق إلى النجاح هو البحث عنه، بل الاستمتاع بالسير في الطريق الذي نحبه.


مساحة للحوار

إذا كنت تمر بحيرة مشابهة حول شغفك أو مسارك الشخصي، أو لديك تجربة قادتك لاكتشاف جانب جديد من نفسك، يسعدني أن أقرأ قصتك أو أتحاور معك حولها.

فأجمل الأفكار التي تعلمتها لم تأتِ من الإجابات الجاهزة، بل من الأسئلة الصادقة والحوارات العميقة.



رابط المقالات

إذا أعجبك هذا المقال، فقد يهمك أيضًا:

الكتابة كالموسيقى بالنسبة لي

وفي المقال القادم:

كيف اكتشفت أنني مهتمة بالإنسان أكثر مما كنت أظن؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف خرجت من القلق بعد فقدان والدي: رحلة تعافي غيرت حياتي

كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا