كيف وجدت الإيمان في الغربة؟

 

لم أذهب لأبحث عن الإيمان... لكنني وجدته في الطريق

عندما سافرت إلى الخارج، لم يكن هدفي أن أتعلم عن الدين أكثر، ولم أكن أبحث عن رحلة روحية أو إجابات كبرى عن الحياة.

كنت أظن أنني ذاهبة لأتعلم أشياء أخرى تمامًا.

لكن الحياة كثيرًا ما تأخذنا إلى أماكن لم نكن نقصدها.

في بلد بعيد عن البيئة التي نشأت فيها، وجدت نفسي أطرح أسئلة لم أكن أطرحها من قبل. أسئلة عن نفسي، وعن الحياة، وعن المعنى، وعن الإيمان.

مررت بفترة من الحيرة والتساؤل. لم يكن ذلك بدافع الرفض، بل بدافع البحث والفهم. كنت أريد أن أصل إلى قناعة أعمق، وأن أطمئن إلى ما أؤمن به عن معرفة لا عن عادة.

وفي تلك المرحلة تعلمت شيئًا مهمًا:

أن السؤال ليس دائمًا عدوًا للإيمان.

أحيانًا يكون السؤال طريقًا إليه.

كلما بحثت أكثر، وكلما قرأت أكثر، وكلما تأملت أكثر، وجدت أنني أعود إلى الله من جديد، ولكن هذه المرة بوعي أعمق وطمأنينة أكبر.

ولا أنسى تلك الأيام التي كنت أمشي فيها في شوارع لندن وباريس، محاطة بوجوه لا أعرفها، ولغات مختلفة، وثقافات بعيدة عن كل ما اعتدته.

كان من المفترض أن أشعر بالغربة، لكن ما حدث كان مختلفًا.

كلما ابتعدت جغرافيًا، شعرت أنني أقترب روحيًا.

كنت أتمشى لساعات أتأمل الناس والحياة والطبيعة من حولي، وفي داخلي شعور عميق بالأمان.

أمان لا علاقة له بالمكان، ولا بالأشخاص، ولا حتى بالظروف.

كان شعورًا هادئًا بأنني لست وحدي.

وأن رحمة الله تحيط بي أينما ذهبت.

عندها بدأت أفهم أن القرب من الله لا يرتبط بمكان معين، وأن الإنسان قد يسافر آلاف الكيلومترات ليكتشف أن أكثر ما كان يبحث عنه موجود في قلبه منذ البداية.

ومن المواقف التي لا أنساها أيضًا أنني تحدثت يومًا مع معالج نفسي خلال فترة صعبة من حياتي.

قال لي كلمات بقيت في ذهني حتى اليوم:

"أنت بحاجة إلى أن تتقبلي أن هناك أمورًا أكبر من قدرتك على السيطرة، وأن تتعلمي التسليم والرضا."

كان يتحدث من منظور نفسي، لكن كلماته أعادتني إلى معانٍ كنت أعرفها منذ زمن.

معاني التوكل.

ومعاني الرضا.

ومعاني الثقة بأن وراء كل ما يحدث حكمة قد لا نراها في وقتها.

كلما تعمقت في العلم، وكلما قرأت أكثر، لم أشعر أنني أبتعد عن الإيمان، بل على العكس.

كنت أرى في تعقيد الحياة والنفس البشرية والكون ما يزيدني دهشة أمام عظمة الخالق.

وأدركت أن كثيرًا من النعم التي نعيشها يوميًا قد نمر عليها مرورًا عابرًا.

الحب.

الرحمة.

الأمان.

العائلة.

كلها معانٍ تجعلني أتأمل مصدرها الأول.

بل إنني بدأت أرى أن كثيرًا من صور الرحمة التي نعيشها في حياتنا ما هي إلا تذكير لنا برحمة الله الواسعة.

لم أذهب إلى الغربة لأتعلم هذا.

ولم أخرج من بلدي باحثة عن هذه الدروس.

لكن الله ساقها إليّ بطرق لم أتوقعها.

واليوم، عندما أتأمل تلك الرحلة، أشعر أن كل طريق سلكته، وكل سؤال طرحته، وكل تجربة مررت بها، كانت تعيدني إلى المعنى نفسه:

أن الاقتراب من الله ليس رحلة مكان، بل رحلة وعي.

وأن الإنسان كلما ازداد فهمًا للحياة، ازداد احتياجًا إلى ربه.

سبحان من جعل في كل شيء آية تدل عليه.

في السماء، وفي الأرض، وفي الناس، وفي أنفسنا أيضًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف خرجت من القلق بعد فقدان والدي: رحلة تعافي غيرت حياتي

كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي

حين كنت أشعر بالأمان... لأن أبي هنا