كيف اكتشفت أنني لم أفقد الشغف... بل كنت أؤجل نفسي؟

🌿 سلسلة: أسئلة صنعتني | الفكرة الثالثة

نظن أحيانًا أن السنوات هي ما تجعلنا نكبر، بينما ما يفعل ذلك حقًا هو ابتعادنا عن الأشياء التي توقظ فينا الدهشة.


"ربما لم تكن رحلتي رحلة بحث عن الشغف... بل رحلة عودة إلى نفسي."

لفترة طويلة كنت أعتقد أن الشغف شيء نفقده مع الوقت.

كنت أسمع كثيرًا:

"كبرنا."

"لم تعد لدينا طاقة."

"لم نعد متحمسين كما كنا."

وكنت أظن أن هذا جزء طبيعي من الحياة.

لكن شيئًا في داخلي كان يتساءل:

هل نفقد الشغف فعلًا؟

أم أن هناك تفسيرًا آخر؟

عندما كانت الأشياء البسيطة مهمة

عندما كنت طفلة، لم أكن أفكر كثيرًا.

كنت أفعل ما أحب ببساطة.

أقرأ لأنني أحب القراءة.

وأستمتع بالكلمات والحروف.

وأقضي ساعات في التساؤل والتأمل.

وأحب الغناء.

وأشعر بالمتعة كلما تعلمت شيئًا جديدًا أو اكتشفت فكرة جديدة.

لم أكن أعرف حينها شيئًا عن تطوير الذات أو فوائد القراءة.

لكنني كنت أحب المعرفة لذاتها.

وأحب التعلم لمجرد متعة التعلم.

لم أكن أفكر كثيرًا فيما يريده الآخرون.

ولا فيما يبدو مهمًا أو غير مهم.

كنت أرى العالم بعيني أنا.

وربما لهذا السبب كنت أشعر بخفة أكبر.

كيف بدأنا نؤجل أنفسنا؟

مع مرور السنوات، بدأت الأولويات تتغير.

وأصبحت أضع نفسي في آخر القائمة دون أن أشعر.

العمل أولًا.

المسؤوليات أولًا.

الالتزامات أولًا.

واحتياجات الآخرين أولًا.

أما الأشياء التي أحبها أنا...

فكانت تنتظر.

كنت أؤجلها لأنني أراها بسيطة.

وأقنع نفسي دائمًا أن هناك أمورًا أكثر أهمية.

لكنني لم أكن أنتبه إلى شيء مهم.

أن بعض الأشياء التي نعتبرها بسيطة...

ليست بسيطة أبدًا.

بل قد تكون جزءًا من أنفسنا.

عندما عادت الكتابة إلى حياتي

عندما بدأت الكتابة، لم أكن أتوقع ما سيحدث.

في البداية ظننت أنني أكتب مقالات فقط.

لكن شيئًا أعمق كان يحدث في داخلي.

كنت أجلس مع نفسي.

وأرتب أفكاري.

وأفهم مشاعري.

وأمنح صوتًا لأشياء عاشت بداخلي سنوات طويلة.

شعرت بتغيير عميق يصعب وصفه.

وكأنني لا أكتب فقط...

بل أعود إلى جزء قديم مني.

جزء كنت أؤجله منذ سنوات.

واكتشفت أن الكتابة لم تكن مجرد هواية.

بل كانت نافذة أعود منها إلى نفسي.

لم تكن الكتابة وحدها

ومع الوقت بدأت ألاحظ شيئًا آخر.

لم تكن الكتابة وحدها هي التي أعادتني إلى نفسي.

بل كانت هناك أشياء أخرى أحببتها منذ طفولتي.

من بينها الخيل.

لا أنسى أول مرة ركبت فيها الخيل مع والدي.

كنت في الخامسة من عمري.

وما زلت أتذكر ذلك الشعور الجميل الذي يصعب وصفه.

شعور الحماس.

والحرية.

والفرح البسيط الذي لا يحتاج إلى سبب.

ولم يكن حبي للخيل يقتصر على الركوب فقط.

فمن أجمل البرامج التي كنت أتابعها في طفولتي تلك التي تتحدث عن تربية الخيل والتدرب على الفروسية.

وكنت أستمتع بمشاهدة الرحلة أكثر من النتيجة.

كيف يتعلم الحصان خطوة بعد خطوة.

وكيف تنشأ الثقة بينه وبين فارسه.

ومع مرور الوقت بدأت ألاحظ شيئًا آخر.

كنت أحب تعلم اللغات.

وأشعر بالمتعة كلما اكتشفت طريقة جديدة لفهم الناس والعالم.

وحين كبرت، وجدت نفسي أنجذب أحيانًا إلى تعلم البيانو.

ولم أكن أراه مجرد آلة موسيقية.

بل لغة أخرى للتعبير.

فالكتابة تعبر بالكلمات.

والموسيقى تعبر بالنغمات.

واللغات تفتح نوافذ جديدة لفهم البشر.

وعندما أنظر اليوم إلى كل هذه الاهتمامات، لا أراها أشياء متفرقة كما كنت أظن.

بل أراها خيوطًا كانت تشير إلى الشيء نفسه منذ البداية:

حب التعلم.

وحب الاكتشاف.

والرغبة في التعبير.

والاقتراب أكثر من نفسي.

ولهذا بدأت أؤمن أن ما أحببناه بصدق في طفولتنا ليس مضيعة للوقت كما نظن أحيانًا.

بل قد يكون من أوضح الإشارات إلى من نكون حقًا.

فكرة غيرت نظرتي للحياة

من أكثر الأفكار التي أثرت فيّ ما قرأته عن أكثر الأشياء التي يندم عليها الناس في نهاية حياتهم.

لم يكن الندم الأكبر غالبًا على الأشياء التي فعلوها.

بل على الأشياء التي لم يفعلوها.

الأحلام التي أجلوها.

والخطوات التي لم يجرؤوا على اتخاذها.

والأشياء التي أحبوها ثم تركوها جانبًا.

هذه الفكرة جعلتني أتساءل:

كم مرة أجلت شيئًا أحبه لأنني ظننت أنه غير مهم؟

وكم مرة وضعت نفسي في آخر القائمة؟

عندما ننسى أنفسنا

لفتت انتباهي أيضًا أفكار بعض الباحثين والكتّاب الذين تحدثوا عن أثر إهمال الذات والانشغال الدائم بإرضاء الآخرين.

ليس لأن الاهتمام بالآخرين أمر خاطئ.

بل لأن الإنسان لا يستطيع أن يستمر طويلًا وهو يتجاهل احتياجاته الداخلية.

وربما لهذا السبب اكتشفت أن ما كنت أعتبره هوايات متفرقة لم يكن متفرقًا أصلًا.

كانت كلها طرقًا مختلفة للعودة إلى نفسي.

كانت حاجة.

وكانت مساحة أتنفس فيها.

وألتقي فيها بنفسي من جديد.

رحلة العودة إلى إيمان الصغيرة

اليوم عندما أنظر إلى الوراء، لا أشعر أنني اكتشفت شغفًا جديدًا.

بل أشعر أنني عدت إلى أشياء أحببتها منذ زمن طويل.

إلى القراءة.

إلى الفضول.

إلى الكتابة.

إلى الخيل.

إلى الموسيقى.

إلى تعلم اللغات.

إلى تلك الطفلة التي كانت تمنح ما تحب مساحة في حياتها دون شعور بالذنب.

كلما تأملت حياتي أكثر، اكتشفت أنني لم أكن أبحث عن شغف جديد.

كنت أعود فقط إلى أشياء أحببتها منذ البداية.

ربما لم تكن رحلتي رحلة بحث عن الشغف.

بل رحلة عودة إلى نفسي.

ما أجمل الأيام التي كان فيها فضولنا وشغفنا في مقدمة أولوياتنا...

قبل أن نتعلم كيف نؤجل أنفسنا.

وربما أحيانًا لا نحتاج إلى البحث عن شغف جديد.

بل نحتاج فقط إلى العودة للشخص الذي كنا عليه قبل أن نعتاد تأجيل أنفسنا.

الخاتمة

اليوم لا أعتقد أنني فقدت الشغف.

وأعتقد أن كثيرًا منا لم يفقده أيضًا.

ربما كل ما حدث أننا انشغلنا عنه طويلًا.

وأجلنا أنفسنا طويلًا.

حتى اعتدنا الغياب.

ثم ظننا أن الشغف اختفى.

لكنني بدأت أؤمن أن الشغف يشبه صديقًا قديمًا.

قد يبتعد عنا سنوات.

لكن عندما نعود إليه...

نجده ما زال ينتظر.

ولذلك لم أعد أسأل نفسي:

أين اختفى الشغف؟

بل أصبحت أسأل:

متى كانت آخر مرة منحت نفسي الإذن لتفعل ما تحب؟


من سلسلة: الأشياء التي أعادتني إلى نفسي


قد يهمك أيضًا:

• الكتابة كالموسيقى بالنسبة لي

• كيف وجدت الإيمان في الغربة؟

• لماذا اخترت أن أفكر بنفسي؟


مساحة للحوار:

هل هناك شيء كنت تحبه يومًا ما... ثم اكتشفت أنه لم يختفِ من حياتك، بل كنت تؤجله فقط؟

تعليقات