كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي
🌿 سلسلة: الذين صنعوني 📚 | الفصل الأول
كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي
"بعض الأشخاص لا يرحلون عندما يغادرون الدنيا... بل يبقون في طريقة حديثنا، وفي قراراتنا، وفي نظرتنا للحياة. وهذه ليست قصة عن والدي بقدر ما هي محاولة لفهم الأثر الذي يمكن أن يتركه إنسانٌ طيب في قلب طفلته... حتى تكبر."
🌿 السؤال الذي لم أفهمه إلا بعد سنوات
كنت في الخامسة من عمري تقريبًا.
لا أتذكر أين كنا، لكنني أتذكر السؤال.
نظر إليّ والدي بابتسامته المعتادة وقال:
"إيمان... لماذا أنتِ مميزة؟"
أجبته فورًا، دون أن أفكر:
"لأنني مميزة."
فضحك...
ضحكة طويلة مليئة بالفرح.
لم أفهم سبب ضحكته يومها.
لكنني أفهمها اليوم.
ربما كان يضحك من براءة طفلة.
وربما لأنه رأى ثقةً صغيرة، وتمنى أن تكبر معي ولا تضيع في الطريق.
وأظن...
أنها بقيت.
كم كلمة قيلت لنا في طفولتنا...
وما زالت حتى اليوم تبني صورتنا عن أنفسنا؟
🌿 حين كنتُ سكرتيرته الصغيرة
كان والدي يطلب مني أحيانًا أن أكتب له بعض الملاحظات أو التفاصيل.
كانت أمورًا بسيطة جدًا.
لكنها بالنسبة لطفلة صغيرة كانت تعني العالم كله.
كنت أشعر بفخرٍ لا أستطيع وصفه.
وأقول في داخلي:
"لقد اختارني أنا."
اليوم أدرك أن ما أسعدني لم يكن الكتابة نفسها.
بل الثقة.
بعض الأطفال لا يتذكرون الكلمات التي قيلت لهم...
لكنهم يتذكرون جيدًا الشعور الذي منحهم إياه شخصٌ آمن بقدراتهم.
وربما كانت تلك اللحظات أول بذور الثقة التي كبرت معي.
🌿 المكتب الليلكي الذي ما زلت أتذكره
لا أتذكر كثيرًا من الهدايا.
لكنني لا أنسى ذلك اليوم الذي فاجأني فيه بأول جهاز كمبيوتر.
ومعه مكتب حديث باللون الليلكي.
العجيب أنني نسيت مواصفات الجهاز...
لكنني لم أنسَ لون المكتب.
ولا فرحتي بها.
لم أقل له يومها: "شكرًا."
فنحن لم نكن نجيد التعبير بالكلمات.
كانت لغتنا مختلفة.
كانت لغتنا... لغة العيون.
لكنه كان يرى فرحتي.
وكنت أشعر بحبه.
واليوم أدرك أن بعض الهدايا لا تبقى في الذاكرة لأنها كانت الأغلى...
بل لأنها قالت لنا بصمت:
"أنا أعرف ما يسعدك."
🌿 كوب الشاي الذي لم يكن عن الشاي
كان يطلب مني أحيانًا أن أعد له كوبًا من الشاي.
ثم يرتشفه بهدوء...
ويرفع الكوب بيده مبتسمًا ويقول بكل فخر:
"يا ابنتي... هذا هو الشاي الصح."
كنت أبتسم...
ولا أدرك لماذا أشعر بكل هذا الفرح.
اليوم...
لا أظن أنه كان يمتدح الشاي.
كان يمتدحني أنا.
وكان يخبرني بطريقة بسيطة أن ما أصنعه يستحق أن يُقدَّر.
وربما لم نكن نحتاج إلى المديح لأنه كان عن الشاي...
بل لأنه كان يقول لنا، دون كلمات كثيرة:
"أراك."
وأعتقد أن الإنسان لا ينسى أبدًا أول شخص جعله يشعر بأنه مرئي.
🌿 رجلٌ كان يرى الجمال قبل العيوب
من أكثر الأشياء التي ورثتها عنه...
أنه كان يرى الجمال أولًا.
أتذكره وهو يقود السيارة.
لم يكن يقضي الطريق في الانتقاد.
ولا يبحث عن النقص في كل شيء.
كان يرى السماء.
والطريق.
والأشجار.
ويستمتع بالتفاصيل الصغيرة.
كان يعيش اللحظة كما هي.
لا أذكره عاد من رحلة وهو يتحدث عن الزحام...
أو عن الأخطاء...
كان يعود وهو يتحدث عن الأشياء الجميلة التي رآها.
واليوم، عندما أجد نفسي أكتب عن الامتنان، أو عن الشغف، أو عن رؤية الجمال وسط التعب...
أدرك أنني لا أكتب أفكارًا تعلمتها من الكتب فقط.
بل أكتب الحياة كما رأيتها أول مرة...
من خلال عينيه.
🌿 القرار الوحيد الذي لم أرد تأجيله
كبرت.
وأدركت أننا لم نكن نعبر عن مشاعرنا كثيرًا.
فقررت أن أكسر هذه العادة.
وقبل وفاة والدي...
قلت له كل الكلمات التي تمنيت أن يسمعها.
قلت له إنني أحبه.
وأنني فخورة بأنني ابنته.
وأن كثيرًا من الخير الذي أراه في نفسي...
تعلمته منه.
كلما تذكرت تلك اللحظة...
أحمد الله أنني لم أؤجلها.
فبعض الكلمات إذا قيلت في وقتها...
تبقى عزاءً لصاحبها بعد سنوات.
🌿 الصورة التي لا أرى فيها الصحراء
قبل رحيله بفترة...
ذهبنا معًا إلى الصحراء.
كان يقود السيارة كما اعتاد دائمًا.
هادئًا...
مبتسمًا...
مستمتعًا بالطريق.
ثم يتوقف بين حين وآخر...
ويطلب مني أن أقف في مكان يعجبه.
ويرفع الكاميرا من نافذة السيارة...
ويلتقط لي صورة.
ثم يبتسم وكأنه هو من حصل على الهدية.
وهذه الصورة التي ترونها مع هذا المقال...
هي بالفعل تجسيد لإحدى تلك اللحظات.
التقطها والدي من نافذة سيارته.
ولم أكن أعلم وقتها...
أنني سأعود إليها يومًا، لا لأتذكر الصحراء...
بل لأتذكره هو.
لم أكن أعرف أن تلك الصور ستصبح من أثمن ما أملك.
ليس لأنها التُقطت في مكان جميل...
بل لأنها التُقطت في زمن كان قلبي فيه ممتلئًا بوجوده.
أحيانًا أسأل نفسي...
هل كان يعلم أن هذه التفاصيل الصغيرة ستبقى في ذاكرتي إلى هذا الحد؟
لا أظن.
لكنه كان يعيشها بمحبة.
وربما لهذا السبب بقيت.
🌿 ما الذي ورثته حقًا؟
كبرت وأنا أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي.
ثم كبرت أكثر...
واكتشفت أنني كنت محظوظة أكثر مما كنت أظن.
يسألني بعضهم اليوم:
"ماذا ترك لك والدك؟"
فأبتسم...
وأقول:
"وما الذي لم يتركه لي والدي؟"
ترك في داخلي الثقة...
وحب التعلم...
والفضول...
والطموح...
والقدرة على رؤية الجمال...
والامتنان...
وترك في قلبي يقينًا أن الإنسان قد يرحل...
لكن أثره يستطيع أن يبقى حيًا فيمن أحب.
كان والدي ينظر إلى الحياة بعينيه العسليتين...
وأظن أنني ورثت منه أكثر من لون العينين.
ورثت ذلك البريق...
الذي يرى الإمكان قبل أن يراه الآخرون.
ولعل أجمل ما تركه في داخلي...
أنه لم يعلمني فقط كيف أعيش...
بل علمني كيف أنظر إلى الحياة.
وهناك فرقٌ كبير...
بين أن يعيش الإنسان...
وأن يعرف كيف يرى الحياة.
وربما لهذا السبب...
كلما حاولت أن أفهم نفسي...
وجدت جزءًا من الإجابة...
يبدأ من والدي.
"لم يكن والدي يلتقط صورة لابنته فقط... كان يصنع لها ذكرى سترافقها ما بقي من العمر."
📚 من سلسلة: الذين صنعوني
هذه السلسلة ليست عن الأشخاص الذين مروا في حياتي...
بل عن الأشخاص الذين تركوا أثرًا لا يزال يعيش في داخلي.
الفصل الأول: كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهون والدي.
القادم بإذن الله:
الرجل الذي كان يختار الفرح.
كيف علمني والدي أن أرى الجمال قبل العيوب.
لماذا كنت أعتقد أن كل الآباء يشبهونه؟
أبي لا يشبهه شئ إلا أنا فأنا نسمه قد إنسابت من همساته وضحكه علت على وجناته وروحا سرت من روحه ودمعه ترقرقت وقت الفرح بميلادي ...أنا إمتدادا لبريق عينيه وحديث نفسه وكلام صمته ...أنا هو وهو أنا قصيده لم تكتمل بعد..
ردحذفتعليق جميل أضاف للمقال شكرا 🌿
حذفصدقتي
ردحذفشكرا 🌿
حذف